في النقاش العام حول ريادة الأعمال في الأردن، يكثر الحديث عن الأفكار، وعن حماسة الشباب، وعن ازدهار الاقتصاد الرقمي. لكن قراءة تقرير GEM 2025/2026 تكشف أن القضية الأهم ليست وفرة الطموح بحد ذاته، بل قدرة البيئة الريادية على تحويل هذا الطموح إلى مشاريع قابلة للبقاء والنمو. التقرير يطرح هذه الفكرة بوضوح على المستوى العالمي: ريادة الأعمال ليست مجرد قرار فردي، بل هي نتاج منظومة تشمل التمويل، والتعليم، والبنية التحتية، والسياسات، والثقافة، والقدرة على استخدام الأدوات الرقمية بفعالية. وبالنسبة للأردن، فإن الصورة التي يقدمها التقرير ليست صورة ضعف بقدر ما هي صورة اختناق في الوسط: المجتمع يمتلك قدرا معتبرا من الوعي والثقة والنية، لكن النتائج على الأرض لا ترتفع بالمستوى نفسه. فالتقرير يشير إلى أن سبعة من كل عشرة بالغين تقريبًا في الأردن يرون أنهم يمتلكون المهارات والخبرة لبدء مشروعهم، وأن نحو ثلاثة أخماس يرون فرصًا جيدة لبدء مشروع في بيئتهم المحلية، كما أن أكثر من نصف البالغين يعرفون شخصًا بدأ مشروعًا مؤخرًا. هذه ليست مؤشرات مجتمع خامد، بل مؤشرات مجتمع يرى ريادة الأعمال خيارًا واقعيًا ومتاحًا من حيث الفكرة والقدرة الذاتية. لكن في الجهة المقابلة، يكشف التقرير عن مفارقة ثقيلة التأثير: 59% ممن يرون فرصًا جيدة لا يبدؤون بسبب الخوف من الفشل. هنا لا تصبح المشكلة نقصًا في الفرص، بل ارتفاعًا في الكلفة النفسية والمالية والإجرائية للفشل. وعندما يرتفع الخوف بهذا الشكل، فإن البيئة لا تعاقب فقط من يفشل، بل تردع من كان يمكن أن ينجح أصلًا. لهذا فإن أحد أهم مفاتيح قراءة المشهد الأردني ليس السؤال: هل لدينا رواد أعمال محتملون؟ بل: لماذا يتوقف هذا العدد الكبير قبل لحظة الانطلاق؟ وهذا التردد لا يأتي في فراغ. فالتقرير يوضح أن أكثر من نصف البالغين في الأردن أفادوا بأن دخل أسرهم انخفض في 2025، وهو ما يضع ريادة الأعمال داخل سياق اقتصادي ضاغط. في مثل هذا السياق، لا يبدأ كثيرون مشروعهم بدافع الابتكار الخالص، بل بدافع البحث عن دخل واستقرار. ولذلك ليس مستغربًا أن يذكر التقرير أن أكثر من ثمانية من كل عشرة من رواد الأعمال الجدد في الأردن يوافقون على دافع “كسب العيش لأن الوظائف شحيحة”، وأن نسبة مشابهة تقريبًا ترى في المشروع طريقًا إلى دخل مرتفع أو ثروة أكبر. هذه الأرقام لا تلغي الطموح، لكنها تعيد تعريفه: ريادة الأعمال هنا ليست دائمًا رفاهية خيار، بل كثيرًا ما تكون استجابة لندرة البدائل. ومن الزاوية الرقمية، يحمل التقرير إشارة بالغة الأهمية لبيئة الأردن. فهو يذكر أن أكثر من نصف رواد الأعمال الجدد يتوقعون استخدام مزيد من التكنولوجيا الرقمية لبيع منتجاتهم وخدماتهم خلال الأشهر الستة المقبلة. هذه إشارة إلى أن التحول الرقمي لم يعد فكرة مستقبلية بعيدة، بل أصبح جزءًا من السلوك المتوقع للمشاريع الجديدة. وفي عالم يوضح فيه التقرير أن الأدوات الرقمية والذكاء الاصطناعي باتت عنصرًا حاسمًا في التنافسية، فإن هذا الاستعداد الأردني يمثل فرصة حقيقية، لا سيما إذا تم ربطه ببنية دعم مناسبة. فالتقرير العالمي يشدد بوضوح على أن الفجوات في التمويل والمهارات والوعي التقني قد تخلق اقتصادًا رياديًا من طبقتين: فئة قادرة على استخدام الأدوات الرقمية للتوسع، وفئة أخرى تبقى محصورة في نشاط محدود منخفض النمو. غير أن الجانب الرقمي، رغم أهميته، لا يكفي وحده. فملف الأردن في التقرير يبيّن أن سهولة الوصول إلى التمويل الريادي سجلت 4.0، وأن دعم السياسات الحكومية وملاءمتها سجل 4.4، بينما أشار التقرير أيضًا إلى استمرار التحديات في التمويل، والبرامج الحكومية، والاستدامة، مع الحاجة إلى مزيد من الاستثمار في التعليم والقدرات الرقمية والسياسات الشمولية. هذا يعني أن الأردن لا يعاني من غياب البنية بالكامل، بل من فجوات في العناصر التي تحول المشروع من محاولة فردية إلى مؤسسة قابلة للحياة. البنية التحتية قد تكون مقبولة، والوعي موجود، لكن الحلقة الأضعف تبدو في الجسور: الجسر بين الفكرة والتمويل، وبين المهارة والسوق، وبين الاستعداد الرقمي والنمو الحقيقي. وتظهر هذه الفجوة أيضًا عند النظر إلى نوعية النتائج المتوقعة من المشاريع. فالتقرير يذكر أن نحو واحد من كل خمسة من رواد الأعمال الجدد في الأردن لديه عملاء خارج البلاد، وأن أكثر من واحد من كل أربعة يتوقع توظيف ستة أشخاص أو أكثر خلال خمس سنوات. هذان الرقمان مهمان لأنهما يقولان إن جزءًا من المشاريع الأردنية لا يفكر فقط في البقاء، بل يفكر في الامتداد إلى أسواق أوسع وفي خلق وظائف. لكن هذه الإمكانات لا تنمو تلقائيًا؛ فهي تحتاج إلى مسارات احتضان، وإرشاد، وربط بالسوق، وتدريب عملي على التوسع، وليس فقط تشجيعًا عامًا على “ابدأ مشروعك”. كما أن التقرير يلفت إلى جانب آخر غالبًا ما يُهمل في النقاش المحلي: البعد الاجتماعي والبيئي. فـ أكثر من ثلث رواد الأعمال الجدد في الأردن اتخذوا خطوات لتقليل الأثر البيئي خلال العام الماضي، وأكثر من اثنين من كل خمسة اتخذوا خطوات لتعظيم الأثر الاجتماعي، فيما أفاد نحو ثلثي رواد الأعمال بأنهم يعطون هذه الاعتبارات أولوية فوق الربحية أو النمو. هذه ليست تفاصيل هامشية؛ إنها مؤشر على أن قطاعًا معتبرًا من ريادة الأعمال الأردنية لا ينظر إلى المشروع فقط بوصفه مصدر دخل، بل بوصفه أداة تأثير أيضًا. وهذا ينسجم مع الاتجاه العالمي الذي رصده التقرير، حيث أصبحت ريادة الأعمال أكثر ارتباطًا بالقيمة الاجتماعية والقدرة على الاستجابة لتحديات المجتمع. لذلك، فإن القراءة الأعمق لتقرير GEM لا تقودنا إلى استنتاج بسيط من نوع “الأردن جيد” أو “الأردن متعثر”. ما تقوله البيانات بصورة أدق هو أن الأردن يمتلك قاعدة بشرية واعدة: ثقة مرتفعة، إدراك للفرص، ميل واضح إلى تبني التكنولوجيا، ونسبة من المشاريع لديها قابلية للنمو والتوسع والتأثير. لكن هذه القاعدة تعمل داخل بيئة لا تزال أقل من المستوى الذي يسمح بتحويل هذا الزخم إلى نتائج أوسع وأكثر استقرارًا. الفجوة ليست في روح المبادرة، بل في نوعية المساندة التي تحيط بها. ومن هنا، فإن السؤال الأكثر أهمية لبيئة الأردن اليوم ليس: هل نملك طاقات ريادية؟ بل: هل نملك ما يكفي من المساحات التي تلتقط هذه الطاقات مبكرًا، وتدربها، وتربطها بالفرص، وتخفف عنها تكلفة التجربة الأولى، وتساعدها على أن تتحول من نية إلى مشروع، ومن مشروع إلى قيمة اقتصادية واجتماعية؟ في ضوء ما يكشفه التقرير، يبدو أن الأردن لا يحتاج فقط إلى مزيد من المبادرات الفردية، بل إلى مزيد من الأدوار التي تبني الجسر بين الإمكان الكامن والنتيجة الفعلية. وهناك تحديدًا تتضح قيمة الأنشطة التي تعمل بصبر على تنمية الثقافة الريادية، ورفع الجاهزية، ومرافقة المبادرين في الطريق، لا الاكتفاء بالحديث عنهم.